لا الإنكار ولا العداء قادران على مداواة الجراح كما أن المضاربات السياسية لن تُقرب الشعوب من بعضها- بطريرك القسطنطينية (إسطنبول) للأرمن ساهاك ماشاليان-
5 دقيقة قراءة
يريفان في 24 أبريل/أرمنبريس: لا يمكن للإنكار ولا للعداء أن يداويا الجراح، هذا ما صرّح به بطريرك القسطنطينية (إسطنبول) للأرمن ساهاك ماشاليان في رسالته بمناسبة الذكرى المئوية الحادية عشرة للإبادة الجماعية الأرمنية، وفقًا لما ذكرته وكالة "أرمنبرس"، مؤكداً أن مأساة الماضي لا ينبغي أن تتحول إلى جدار فاصل دائم، بل إلى تجربة صعبة ولكنها مفيدة، يمكن استخلاص الدروس منها لبناء مستقبل أكثر عدلاً وسلاماً. نقدّم لكم رسالة البطريرك كاملةً أدناه:
"أيها الشعب المؤمن الحبيب،
اليوم هو الرابع والعشرون من أبريل/نيسان مجدّداً. يومٌ يدعونا للوقوف بتواضع أمام إحدى أكثر صفحات تاريخنا إيلاماً. يعيدنا هذا اليوم إلى ذكرى المأساة التي عشناها قبل قرنٍ من الزمان والتي تركت بصمةً عميقةً على حياتنا الوطنية والروحية. نتذكّر الخسائر التي تكبدها شعبنا خلال سنوات الحرب العالمية والنزوح والمنفى والألم الذي لا يُقاس والذي توارثته الأجيال، لكن هذه الذكرى ليست مجرد انغلاقٍ على أنفسنا في صفحات الماضي المظلمة، بل هي أيضاً دعوةٌ لفهم ما مررنا به والتطلّع إلى المستقبل. على هذه الأراضي، حيث عاشت شعوبٌ مختلفةٌ جنباً إلى جنب لقرون، تلقى إرث التعايش السلمي ضربةً قاسيةً في تلك السنوات. ومع ذلك، تُذكّرنا هذه الجغرافيا نفسها بحقيقةٍ لا مفر منها: أن الشعوب ليست محكوماً عليها بالعداء الأبدي بل هي مدعوةٌ إلى التعايش والحوار والتفاهم المتبادل. علينا أن نتقبل أن ما دُفن تحت هذه الأراضي ليست آلامنا فحسب، بل جراح الآخرين أيضاً ولن نجد حلاً حقيقياً إلا بسرد تاريخنا، بل علينا أيضاً الإصغاء للآخرين وفهم مشاعرهم والسعي لإيجاد أرضية مشتركة تُشكل أساساً للمستقبل. ومن هذا المنطلق نؤكّد دعوتنا لإرساء السلام والمصالحة والصداقة بين الشعبين الأرمني والتركي. يجب ألا تتحول مأساة الماضي إلى جدار فاصل دائم، بل إلى تجربة صعبة ولكنها مُفيدة، نستخلص منها دروساً لبناء مستقبل أكثر عدلاً وسلاماً. لا الإنكار ولا العداء قادران على مداواة الجراح، كما أن المضاربات السياسية لن تُقرب الشعوب من بعضها. إن التقدّم الحقيقي ينبع من حوار قائم على الصدق والاحترام المتبادل والقيم الإنسانية. لذلك، ندعو جميع الأطراف إلى مد جسور الصداقة وتشجيع التعاون الثقافي والاقتصادي وخلق مناخ يُتيح مناقشة التاريخ دون خوف أو عداء، بل سعياً وراء الحقيقة والعدالة ونُثمّن جميع الخطوات الرامية إلى تعزيز الحساسية المتبادلة والتقارب بين الماضي والحاضر. وفي هذا السياق ومن الجدير بالذكر أيضاً الرسائل التي يصدرها فخامة رئيس الجمهورية التركية رجب طيب أردوغان، في الرابع والعشرين من أبريل من كل عام والموجهة أيضاً إلى البطريركية الأرمنية في القسطنطينية ومجتمعنا. إن نهج التعزية الذي عبّرت عنه هذه الرسائل واحترام ذكرى أبناء شعبنا الذين فقدوا أرواحهم في ظروف الحرب العالمية الصعبة، يمثلان، في رأينا، خطوات مهمة على طريق خلق جو من التفاهم المتبادل. ونحن نُقدّر هذه الرسائل باعتبارها تعبيرًا عن صوت الضمير الإنساني وبادرة تُسهم في إعادة بناء الثقة تدريجيًا بين الشعوب. تُذكّرنا هذه المقاربات بأنه حتى في مواجهة أثقل الأعباء التاريخية يُمكن اختيار طريق الاحترام المتبادل والتواصل. واليوم، في ذكرى الشهداء المُعلنين، نتوجّه إلى شفاعتهم، فبحياتهم واستشهادهم لم يصبحوا جزءاً من ذاكرتنا فحسب، بل شهوداً أحياء على إيماننا. إنهم يدعوننا ألا نبقى في ظلام الماضي، بل أن نعيش بالأمل ونبني المستقبل. يشهد الكتاب المقدس: «ها أنا أصنع شيئاً جديداً» (إشعياء 43: 19). علينا أن نسعى إلى هذا التجديد في قلوبنا وأن نُغيّر أفكارنا ومواقفنا.
أيها الأحباء لعلّ ذكرى هذا اليوم تكون مناسبةً لا للحزن فحسب، بل للتجديد أيضاً. نسأل الله، برحمته أن يلمس قلوبنا وقلوب جيراننا، حتى نتجاوز ظلال الماضي الثقيلة ونبني مستقبلًا قائماً على العدل والسلام والأخوة. نسأل الله القدير بشفاعة مريم العذراء وجميع شهدائنا القديسين أن يبارك الشعبين الأرمني والتركي وأن يهديهما إلى المصالحة والتعايش السلمي وأن يُزيل الحروب والكراهية من العالم. لعلّ محبة الله ورحمته ونعمته تسكن بيننا وعلى البشرية جمعاء، الآن ودائمًا وإلى الأبد، آمين".